غالباً ما يُنظر إلى الإدمان نظرة قاصرة على أنه مجرد فشل في قوة الإرادة أو اختيار سيئ، إلا أن العلم الحديث والخبرة الإكلينيكية يؤكدان عكس ذلك تماماً. الإدمان هو مرض مزمن يصيب الدماغ، ويغير طريقة عمله ووظائفه بشكل جذري. لفهم رحلة التعافي، يجب أولاً أن نفهم حقيقة هذا المرض.
ما هو الإدمان؟ التعريف العلمي والوظيفي
يُعرّف الإدمان طبياً بأنه مرض دماغي مزمن يتسم بالسعي القهري لاستخدام مادة ما أو الانخراط في سلوك معين، بغض النظر عن العواقب الضارة التي تترتب على ذلك.
الركائز العلمية للإدمان:
- التغيرات العصبية: عندما يتعرض الدماغ للمواد الإدمانية، فإنه يعيد هيكلة مسارات المكافأة (Reward Pathway) ليصبح معتمداً على هذه المادة لتوليد الشعور بالمتعة أو حتى للوصول إلى حالة وظيفية “طبيعية”. هذا الاعتماد هو ما يفسر الدافع القهري الذي لا يستطيع المريض مقاومته.
- التحمّل والاعتماد: يتطلب الجسم جرعات متزايدة لتحقيق نفس التأثير (التحمل)، وعند التوقف تظهر عليه أعراض جسدية ونفسية حادة (الاعتماد الجسدي والنفسي).
- فقدان السيطرة: العلامة الفارقة للإدمان هي فقدان القدرة على التوقف أو التحكم في الكمية، حتى في ظل إدراك المريض التام لخطورة ما يفعله على صحته وعلاقاته ومستقبله.
الإدمان كمرض شامل: نموذج الأبعاد المتعددة
لا ينفصل الإدمان عن شخصية المريض وتاريخه. إنه مرض يتكون من تفاعل معقد لثلاثة أبعاد رئيسية:
أ. البعد البيولوجي والوراثي (Biological)
تُظهر الأبحاث أن العوامل الوراثية تلعب دوراً كبيراً. فبعض الأفراد لديهم استعداد جيني يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالإدمان مقارنة بغيرهم، حيث تؤثر هذه الجينات على استجابة الدماغ للمكافأة.
ب. البعد النفسي (Psychological)
يُرتبط الإدمان غالباً بوجود اضطرابات نفسية مصاحبة غير معالجة (مثل القلق، الاكتئاب، أو اضطرابات ما بعد الصدمة). قد يلجأ الشخص إلى المادة الإدمانية كوسيلة للتكيف أو “التداوي الذاتي” المؤقت للهروب من هذه المشاعر والأفكار المؤلمة.
ج. البعد الاجتماعي والبيئي (Social/Environmental)
العوامل البيئية مثل الضغوط الاجتماعية، العيش في بيئة غير داعمة، التعرض للإساءة، أو الإجهاد المزمن يمكن أن تزيد من احتمالية ظهور السلوك الإدماني.
رسالة أمل: التعافي ليس مستحيلاً
بمجرد فهمنا أن الإدمان هو مرض دماغي مزمن يمكن إدارته، تتحول نظرتنا من اللوم إلى العلاج. تماماً مثل أمراض القلب أو السكري، يتطلب الإدمان التدخل الطبي المتخصص والرعاية طويلة الأمد.
يبدأ طريق التعافي بـ:
- الاعتراف والتقييم: تقييم شامل للحالة الجسدية والنفسية.
- سحب السموم الآمن: إدارة الأعراض الانسحابية تحت إشراف طبي متخصص.
- العلاج النفسي السلوكي: استخدام برامج علاجية قائمة على الدليل (مثل CBT والتشخيص المزدوج) لتعديل الأفكار والسلوكيات.
- الرعاية اللاحقة: برامج متابعة لمنع الانتكاس وبناء حياة ذات معنى.
الخاتمة: نحن هنا لنسير معك في المسار
الإدمان ليس نهاية الطريق، بل هو بداية رحلة يمكن أن تكون مليئة بالنجاح والتحول الإيجابي. مهمتنا في مركز المسار هي توفير الدعم العلمي والإنساني اللازم لتمكينك من استعادة السيطرة على حياتك.
إذا كنت أنت أو أحد أحبائك يواجه تحديات الإدمان، فإن اتخاذ الخطوة الأولى نحو طلب المساعدة هو أقوى دليل على قوة الإرادة الحقيقية.



